ثانياً: الآن أهم شيء.. الفحص الطبي.
كلما أتذكر الفحص الطبي أبدأ بالضحك والحزن في نفس الوقت مع نفسي والسبب سوف يظهر لكم.
ذهبت المرة الأولى فكان الجواب أن "رجاع بكرة"
ذهبت مرة ثانية فكان الجواب أن "رجاع مرة ثانية"
والمرة الثالثة الحمد لله دخلت على الفحص الطبي!
استقبلني وجه بشوش فقلب دفتري ونظر إلى وجهي وقال "ليش مش حالق ذقنك" فكان الجواب السريع أني لا أعلم أنه يجب حلق الذفن وهذا بالفعل أني لا أعلم، فقال لي اننتظر هنا وانتظرت أنا ومجموعة من رفقائي لكي نحلق الذقن وأخذنا إلى خلف مكان الانتظار وقاموا ببيعنا شفرة حلاقة بثلاثة أضعاف الثمن وهذا كله يهون فدا الوطن.. وللاسف كانت معاملة المجندين أسوأ من السيء، طبعا الكلمات العادية المستخدمة "تعا ولا" وحدث ولا حرج عن الصياح والصوت المنكر. والآن نذهب لنحلق عند الحلاق الماهر الحاذق الذي تعلم الحلاقة على ذقون الشباب وعند الحلاقة قام هذا الحلاق بحلق لحيتي وكادت أن تنسكب دموعي جراء ذلك فقال لي عندما كان يحلق لحيتي "أنت بتعرف أنو ذقنك خشنة هيك ليش ما حلقت قبل ما تجي لهون؟" فكان جوابي له "ليش أنا حابب وقف عندك!". وأخيراً انتهت الحلاقة وللاسف كان سالف أطول من سالف والوضع كان صعباً بس كله يهون فدا الوطن.
وبعد طول انتطار حان الوقت للدخول إلى الفحص الطبي ودخلنا القاعة فكان أول شيء هو أن تشاهد فخامة الرئيس وهو يتكلم. خطاب عن الوقوف في وجه الصهيونية والإمبريالية على كل حال أنا لست جندياً عنده بل جندي للتضحية فداءً لوطن، وحان دوري للفحص الطبي.
دخلت على غرفة، سجلت معلومات عن مكان السكن وأخذوا صوري الشخصية وخزنوها على الحاسب الآلي. والآن إجراء الفحص الطبي طبعاً الفحص الطبي ينقسم إلى لياقة وصحة نفسية وإلى عدة أمور بالطبع كل هذا لم يستغرق دقائق معدودة حتى وجدت نفسي خارج الفحص.
على كل حال لا بأس من ذكر بعض التفاصيل فمثلا فحص اللياقة كان بأن تخلع القميص وتخلع الحذاء وتقف أمام الضابط "المختص" فقمنا ببعض الحركات البهلوانية المثيرة لضحك وقام المجند "المختص" بقياس الطول والوزن على ميزان قد انتهت صلاحية فعاليته وانتهى فحص اللياقة. أما فحص الصحة النفسية فذهب الدفتر ليختم دون أن أذهب معه وبعد هذا أتت مرحلة الأختام المتتالية وهذه المرحلة هي المرحلة الصعبة التي كانت علينا جميعا فأثتاء ختم الدفتر من قبل حثالة المجندين كان تتراشق الكفريات والألفاظ النائية والبذيئة.
والحمد لله خرجت من الفحص الطبي وأنا أردد في نفسي هل هذا الذي كنت انتظره من بعد 18 عاماً وحدثتني نفسي بأن أرجع من حيث أتيت ولا أعود إلى الوطن الأسير لكن كل هذا بهون فداءً للوطن ومن ثم عدت أدراجي إلى شعبة التجنيد فكان أول شيء سألني عنه المجند السابق الذكر فقال لي شو جبتلي من (...) وهذا السؤال الذي سألني إياه أول ما شاهدني أول مرة فقلت له بصراحة "والله ما جبت شيء" فسكت وأكمل الأختام.