"على عيني" برنامج أسبوعي اعتدت على متابعته على الفضائية السورية، ولم أر في هذا البرنامج إلاّ أداة تلميع وتحسين لوجه النظام أمام المشاهدين من غير السوريين وأمام ابناء البلد الذين خرجو منذ زمن ولا يعرفون عن البلد إلاّ الوجوه المقطّبة الجبين الكالحة المعالم التي قابلتهم في صالة المغادرة عندما حلفو اليمين أن لا يعودو إلى هذا البلد إلاّ بعد أن يغادره آخر حرامي وآخر مرتشي و آخر معلّم.
وعندما يجلس المواطن السوري في الغربة ليشاهد برنامجاً مثل برنامج" على عيني" يتلمّض ويسيل لعابه حيث أن هذا البرنامج يعمل مفعول حبة الهلوسة التي يتناولها متعاطي المخدرات كي تنقله إلى عالم الخيال كي يحلّق في جو من السعادة والمتعة، خاصة وأن البرنامج موجّه للمغتربين بشكل أساسي، وهو يعتقد بأن البلد تغيّرت والمواطن أصبح الشغل الشاغل للقيادة الحكيمة وفي قمة اهتمامات القيادة الملهمة.
منذ سنة وعدة أشهر جلست أراقب حلقة من حلقات هذا البرنامج التي أوصاني أصحابي بمتابعتها ففيها أمور مهمة تشغل كل المغتربين وهي قضية الجندية والبدل. بدأ البرنامج بمقابلة مع مدير إدارة التجنيد بعد مقدمة معسولة من قبل المذيعة المملوحة التي أخذ العسل يسيل من لعابها وكيف أن القيادة الرشيدة أولت إهتماماً كبيراً بالمغتربين وأبنائهم.
ثم تحدث مدير التجنيد عن حيثيات قرار دفع البدل النقدي، وبدأ يستقبل المكالمات الهاتفية على الهواء مباشرة. كشفت الاتصالات المباشرة من قبل المشاهدين عن هموم كبيرة أمام المواطن، وعن معاناة لا يعلمها إلاّ الله. أحدهم اتصل وقال: خرجت من سوريا للدراسة مع مجموعة للدراسة في فرنسا ونحن خمسمائة شخص (نعم خمسمائة شخص) ولم نرجع وقد تخلّفنا ونحن الآن نرغب في العودة لخدمة بلدنا بعد أن حصلنا على الشهادات العليا وأن نستفيد من العفو العام وقانون البدل هذا ما قاله صاحبنا تماماً، فهل سأل النظام نفسه لماذا يخرج أبناء بهذه الأعداد الكبيرة من البلد ولا يرجعون؟ ألم يسألو أنفسهم لماذا يكره المواطن الخدمة الإلزامية؟ هم لا يسألون أنفسهم لأنه يعلمون وهم أسوأ من يعلم وكما قال الشاعر: إن كنت لا تدري فتلك مصيبة *** وإن كنت تدري فالمصيبة أغظمُ.
وتوالت الاتصالات وتساءل مدير التجنيد قائلاً: يا إخواني إن لم تنخرطو في الخدمة العسكرية فمن سوف يحمي البلد بهذا المعنى. يساْل صاحبنا وكأنه لا يدري سب إحجام هؤلاء عن الخدمة وعن سبب تفضيلهم البقاء خارج أسوار السجن الكبير سورية.
أبناء البلد أحق بخدمة بلدهم والدفاع عنه وخدمة العلم شرف وهي من أوجب الواجبات، لكن النظام وزبانيته جعلو من الخدمة العسكرية وسيلة لإذلال المواطن وتعطيل أموره الحياتية، الكل يعلم كيف يستغل زبانية النظام العسكري المجند في أمورهم الشخصية وفي خدمة بيوتهم وعوائلهم، ويضيع على الوطن نتائج وأهداف هذه الخدمة مما هو سامٍ ورفيع.